حقيقة الروح

حقيقة الروح
الروح لفظ ينطبق على أكثر من معنى، ولكنه كثر استعماله في الدلالة على الروح التي هي مصدر الحياة الموجودة في الإنسان والحيوان المتحرك بالإرادة، وأقيد الحيوان هنا بهذا القيد لأنه يوجد مخلوقات حية ولكنها ليست حساسة ولا متحركة بالإرادة كالنباتات، وهذا ما يدفع بنا إلى الإعتقاد بأن الروح ليست واحدة، فهناك روح من دون إحساس في صاحبها كالنباتات، وهناك روح مع إحساس وإرادة وهي الموجودة في الإنسان والحيوانات الحساسة المتحركة بالإرادة كالأنعام والطيور والأسماك.
وقد قلنا في بحث سابق إن الروح سر من أسرار الله تعالى فهي مصدر الحياة وهي روح من روحه عز وجل وهنا يكمن السر الذي لم يطلع الله عليه أحداً من خلقه.
وقد استعمل القرآن الكريم لفظ الروح وأراد به أكثر من معنى، وقد ظهر لنا هذا التنوع في الإستعمالات القرآنية من خلال القرائن والعلامات التي صرفت الذهن عن المعنى الأولي للروح وهي الروح الموجودة في الإنسان.
ففي سورة البقرة استعمل القرآن لفظ الروح وأراد بها الروح القدس فقال تعالى( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) وفي سورة النحل أيضاً(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) وفي سورة الحجر نسب تعالى الروح إلى نفسه فقال(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) وفي سورة النحل( يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) ولعل المراد بالروح هنا هو الأمر الإلهي.
وفي سورة مريم يعبّر عن جبرائيل بالروح فيقول(فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) وفي سورة الشعراء(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) وفي سورة الشورى يطلق الله تعالى لفظ الروح على القرآن أو الوحي بشكل عام فيقول(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وهناك استعمالات للفظ الروح في معان مختلف فيها، حيث ورد أن الروح ملك من أعظم ملائكة الله على الإطلاق ولا مانع من ذلك كما لا مانع من أن يكون المقصود بالروح الذي ينزل ويصعد مع الملائكة هو الأمر الإلهي، وفي هذا المعنى قال تعالى في سورة المعارج(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) وفي سورة النبأ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) وفي سورة القدر(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)
وهذا يعني أن لفظ الروح له أكثر من معنى مستَعمَل فيه.



